مساعدة الناس تشعرك بأجمل إحساس ..

نِعَمُ الله عَلى الإنسَان لَا تُعدُّ ولا تُحصَى؛ مِنها المَحسُوس مِثل: السَّمْع والبَصَر، ومِنها المَرئي مِثل: السَّعَادة والغِنى والتَّوفيق.. ولَكن هُنَاك نِعمٌ لَا يَفطن لَهَا الإنسَان العَادي، مَع أنَّها مِن أكبَر النِّعم التي يَرزقها الله للإنسَان، وأعنِي بذَلك نِعمة “قَضَاء حَوائِج النَّاس”.. تَصوّر مقدَار السَّعادة؛ عِندَما تَكون جِسر أَمَل ووَاسطة خير للنَّاس، حَيثُ يُعلّقون عَليكَ آمَالهم وأحلَامهم وأمنياتهم..!

تَقول العَرَب: “البَخيل مَن بَخِلَ بِجَاهه”.. بمَعنَى أنَّك إذَا كُنتَ صَاحب وَجَاهَة في أَمر مِن الأمور؛ فحَاول أن تُسخّر هَذه الوَجَاهَة لخدمة مَن يَحتاجها، ولا تَكُن أنَانيًا؛ لا تُفكّر إلَّا في نَفسِك..!

إنَّ الوَجَاهَة والشَّفَاعَة؛ ومُسَاعدة النَّاس وقَضَاء حَوائِجهم، هي سَلَف ودَيْن، فمَا تُقدّمه للنَّاس مِن خَير؛ ستَجده في يَوم لَا يَنفع فِيهِ لَا مَال ولَا بَنون، واعْلَم أنَّكَ صنيعَة غَيرك، وكَما أنَّ الآخرين سَاعدوك لتَنْجَح؛ يَجب أن تُسَاعد أنتَ الآخرين -أيضاً- لكي يَنجحوا، طَالما أنَّ ذَلك في مَقدورك، ولقَد صَدَقَ الشَّاعر حِين قَال:
يَجُودُ عَلَيْنَا الأَكْرَمُونَ بِمَالِهمْ
وَنَحْنُ بِمَالِ الأَكْرَمِينَ نَجُودُ

إنَّ قَضَاء حَوَائِج النَّاس مُتعَة؛ لَا يَشعر بِهَا إلَّا مَن احترَف هَذه المِهْنَة، لأنَّ الابتسَامة التي تَجدها عَلى وَجه مَن قَضَيْتَ لَه حَاجته؛ لَا تُشبهها أي ابتسَامَة، لأنَّها ابتسَامة فَرَح وسَعَادة، مَغمُوسَة بالدُّعَاء لَكَ بالتَّوفيق والسَّدَاد، والرِّفْعَة في الدّارين..!

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ نُردّد مَع الشَّافعي، مُؤكِّدين ومُؤيِّدين، حِين قَال:
وَأَفْضَلُ النَّاسِ مَا بَيْنَ الوَرَى
رَجُلٌ تُقْضَى عَلَى يَدِهِ لِلنَّاسِ حَاجَاتُ

ضوابط وأخلاقيات لأخوة القروبات ..

هُنَاك الأخُوّة الإسلاميّة، وهُنَاك الأخُوّة الإنسَانيّة، وقَبلهما الأخُوّة في الله، والأخُوّة في الخِلْقَة.. وقَد استَحدث “العرفج” -غَفَرَ الله لَه- “الأخُوّة في القرُوب”، وفي ذَلك أقُول: إنَّ “قينان الغامدي” أخي في “قروب أقلَام”..!

هَذه الأخُوّة -أعني أخُوّة القرُوب- لَهَا وَاجِبَات، وعَليها التزَامَات، ودَعوني هُنَا أُذكّر بوَاجِبَات هَذه القرُوبات؛ التي تَكَاثَرَت، وأصبَحت إحدَى مُشْكِلات العَصر التي نُواجهها، ولَعلَّ أبرَز هَذه المُشْكِلات؛ التَّراسُل آخر الليل، خَاصَّة عِندَما يَكون بَين شَخصين فَقط، ليَتمّ إزعَاج القرُوب بكَامِله؛ مِن أَجل اثنين يَتحَاورَان في أَمرٍ؛ قَد يَكون تَافِهًا..!

ومِن الأخلاقيّات التي يَجب أنْ تُسنّ في القرُوبات: تَقليل كمّية الوَعظ، لأنَّ الرَّسول -صلّى الله عَليه وبَارك- كَان يَختَار سَاعة الوَعظ والنُّصح، ويَتحيّن الأوقَات المُنَاسِبَة، أمَّا نَحنُ فقَد جَعلنَاهَا في كُلِّ وَقت؛ وفي كُلِّ سَاعة، وخَاصَّة في يَوم الجُمعة.. وتَكثيف الوَعظ بهَذا الشّكل؛ يُؤدِّي إلَى نَتائِج عَكسية، وأضرَار سَلبيّة، مِن أهمّها الزُّهد في الوَعظ، وتَرخيص شَأنه..!

كَما أنَّ القرُوبات ذَات الطَّابِع النِّسَائي؛ غَالِبًا مَا تَمتَاز بالثَّرثرة العَالية، والغيبَة والنَّميمَة، وتَحميل صور المَأكولات؛ التي تُغري النَّاس بالأكل مِن غَير فَائدة..!

إنَّ أوقَات الزّيَارة التي يَتقيّد بِهَا النَّاس؛ أثنَاء زيَارة بَعضهم البَعض، يَجب أنْ تَنتقل إلَى القرُوبات، لأنَّ لكُلِّ شَيء آدَابًا، ومَا أحوَجنا إلَى تَأليف كُتيّب يَحمل عنوَان: “الحقُوق والوَاجِبَات في التَّعامُل مَع القرُوبات”..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ نَترّحم عَلى شَيخنا “أبي سفيان العاصي”، فقَد اختَصَر آفَات وسَلبيّات القرُوبات بقَولهِ: (القرُوب يَكشف العيوب)..!!!.

أكثر من تجربة في مفهوم الغربة ..

الثَّقَافة العَربيّة كومٌ مِن المَعرفة، وكومٌ مِن المَعلُومَات، وكومٌ مِن الإبدَاع العَربي، وأهمّ مِن ذَلك كُلّه؛ أنَّها كومٌ مِن المُتنَاقِضَات، التي تَجعل الحَكيم محتَارًا، والطَّمُوح مُتسَائلًا، وأكثَر مِن غَيره استفهَامًا وإصرَارًا..!

وحتَّى نُوضِّح الأمور؛ دَعونا نُبسِّط المَسْأَلة، ونَأخذ مَوضوعًا، ونَرى كَيف تَتناقَض حَوله الآرَاء، وأعني بِه التغرُّب عَن الوَطَن، والإقَامَة فِيه، فقَد تَرَى الأشعَار والأبيَات التي تَحثّك عَلى السَّفر، وتَجد عَكسها أيضًا، تِلك التي تُحبطك وتَقولُ لَك: (اجلِس في مَكانك وكُل هَواءً أو تِبنًا)..!

أمَّا أدلّة الحَثّ عَلى السَّفر، والتغرُّب مِن أَجل طَلَب العُلا؛ فهي كَثيرة، مِنها عَلى سَبيل المِثَال قَول الشَّافعي:
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِيْ طَلَبِ العُلَا
وسافِرْ ففي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِـدِ
تَفَرُّجُ هَـمٍّ، واكتِسَـابُ مَعِيْشَـةٍ
وَعِلْمٌ، وآدابٌ، وصُحْبَـةُ مَاجِـدِ
فإن قيلَ في الأَسفـارِ ذلٌّ ومِحْنَـةٌ
وَقَطْعُ الفيافي وارتكـاب الشَّدائِـدِ
فَمَوْتُ الفتـى خيْـرٌ له مِنْ قِيامِـهِ
بِدَارِ هَـوَانٍ بيـن واشٍ وَحَاسِـدِ

وقد شبّه الإمَام الشَّافعي -في بَيتين آَخرين- الإقَامَة في المَكَان نَفسه بالمَاء الآسِن، وفي ذَلك يَقول:
سَافِرْ تَجِدْ عوضًا عمَّن تفارقهُ
وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ
إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ
إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ

هَذه كُلّها مرويّات تَحثُّ عَلى السَّفر والتغرُّب، والسّياحة في الأرض، ولَكن مَاذا عَن الجَانِب الآخَر؟ وأعني بهِ التَّقليل مِن فَائِدة السَّفر، وزَرع الإحبَاط في جفُون المُسَافرين..!

هُناك حِكمٌ وأمثالٌ كَثيرة؛ تَنْهَى عَن خرُوج الإنسَان مِن مَكَانه؛ إلَى عَالَم السَّفَر، ومِن تِلك الأمثَال مَثَل شَهير يَقول: “مَن طَلَع مِن دَاره قَلّ مقدَاره”، ومَثَل آخَر يَقول: “خليك في عشّك مَا حَد ينشّك”..!

أكثَر مِن ذَلك، لقد اعتَبر الفُقهَاء -في تُرَاثنا العَربي الإسلَامي- الإبعَاد عَن الوَطن عقُوبَة، حَيثُ تَجد بَعض العقُوبَات في الفِقه الإسلَامي تَقول: (أن يُجلد 100 جَلدة ويُغرّب عَامًا)، والتَّغريب هو الإبعَاد عَن الوَطَن..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ أتسَاءَل: كيف يُواجِه الإنسَان هَذه المَوروثات المُتنَاقِضَة؛ إذَا كَان مَحدود القَدْر في التَّفكير والتَّدبير؟.. مَع أنَّني لا ألتَفتُ لمِثل هَذه الأمثَال التي تُحبط المُسَافرين، وأختَصر المَسألة بالمَثَل الشَّائِع القَائِل: “لَا كَرامة لنَبي في قَومه”، فالغُربة -أحيَانًا- تَمنحك الكَرَامة والنَّجَاح والمَعرفة..!!!

يا قوم أفتوني ولا تفتنوني ..

بَعض النَّاس لَدينا تُحبّ الإرشَاد والتَّوجيه وإسدَاء النّصَائِح، بَل ويَتطوَّر الأمر إلَى أكثَر مِن ذَلك، لنَجد لَديهم هَوساً ولَهْفَة في إصدَار الفَتَاوَى.. وحتَّى لا أَظلم هَذه الشَّريحة مِن المُجتمع، أو أَفتري عَليها، قمتُ بإجرَاء تَجربة عَلى النَّحو التَّالي:
قَبل أيَّام طَرحتُ سُؤالاً عَلى شَكل تَغريدة أقول فِيهِ: (عِندي سُؤال وأحتَاج إلَى فَتْوَى: كُلَّما سَكنتُ في فُندق، استَوليتُ عَلى الأقلَام والأورَاق الصَّغيرة؛ التي في غُرفتي، وأفعَل هَذا كُلّ يَوم، حتَّى يُحضروا لِي المَزيد.. فمَا حُكم ذَلك؟ أَفتُوني مَأجورين)..!

بَعد نَشر هَذه التّغريدة -التي أبحَث مِن خِلالها عَن إجَابة مِن أَحد المُتخصّصين- تَحدَّث غَير المُتخصِّصين وأَفتوا، رَغم أنَّ الفَتوَى مَقصورة عَلى أَهلها.. لَكن دَعُوني أستَعرض مَعكم بَعض الرّدود:

قَال أَحد المُغرّدين: (أعتَقد يَجوز، لأنَّكَ دَافع يَوميّة الفُندق). أمَّا الأخ “عايض الخمشي” فيَقول: (لَا حَرَج، مَا دَام مَرَّة وَاحِدة). وأفتَى مُغرِّد ثَالث قَائلاً: (لَيس عَليك أنتَ أيُّها اليَتيم حَرَج). ومِن جَانبه رَدّ الأخ “محمد السُّلمي” قَائلاً: (النَّفس ومَا تَهْوَى، أصبَحت الغُرفَة ومَا فِيها مِلْكَك). وقَد سَانده في ذَلك المُغرِّد “وليد بن حامد” بالقَول: (اعتبرْها مَعونة يَتيم). وقَد اتَّفَقَتْ مَعهما في ذَلك الأخت “نرجسية”، حَيثُ تَقول: (حَلالك أيُّها اليَتيم). أمَّا الأُخت “مريم سامي” فتَقول: (يَجوز أخذَها، فنَحنُ نَأخذ الصَّابون دَائماً)..!

مِن نَاحيةٍ أُخرَى، فإنَّ إجَابة الأخ “محمد عامر” عَن سُؤالي؛ كَانت مُدَاعبة لكِتَابَاتي و”نَهَفَاتِي”، حَيثُ يَقول: (لَا أَرَى حَرَجاً فِيما فَعلت، مَا دُمتَ تُكفّر عَن ذَلك في مَقالاتك ونَواصيك.. هَذا والله أعلَى وأعلَم)..!

ولَعلَّ ألطَف الإجَابَات كَانت مِن الصَّديق -عضو شَرف النَّادي الأهلي- “مشهور الحارثي”، حَيثُ قَال:
(خَيرُ مَن يُفتيك ابن طيبة الطيبة “مساعد السحيمي”).. ولَم تَتأخَّر -فِعلاً- إجَابة الصَّديق “مساعد بن سعد السحيمي” -نَائب رئيس لَجنة الاستثمَار الريَاضي وعضو شَرَف النَّادي الأهلي-، حَيثُ قَال: (لَا بَأس بخصُوص الأشيَاء التي تُعتبر استخدَاماً يَوميًّا، لأنَّها أصلاً مَحسوبة عَليك، وأخذُوا قِيمتها مِنك، أمَّا الأشيَاء الثَّابِتَة فلا يَجوز).. مَع التَّحفُّظ عَلى دخُول الصَّديقين “مشهور ومساعد” عَلى خَطّ فتوَاي لأنَّهما أهلَاويّان، وقَد تَدور حَولهما شُبهة التَّآمر عَلى اتّحاديّتي، ممَّا قَد يُفسد الفتوَى بحجّة “تَحاسُد الأقرَان”..!

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ أُؤكِّد أنَّ الرّدود كَثيرة، ولَعلّني أُضيفها مُستقبلاً في الجُزء الثَّاني مِن كِتَابي “الغُثَاء الأحوَى في غَرائب وعَجائب وطَرائف الفتوَى”.. ولَكن أغرَب الرّدود جَاء مِن المُغرّد “حاتم الغنيم”، حَيثُ قَال -تَعقيباً عَلى السُّؤال-: (إنَّك تُعاني مِن حَالة نَفسيّة)..!!!

بعض النواصي.. مع حبي وإخلاصي..

عِندَما تَغيب النَّواصِي؛ يَسألني الأحبَاب والأصحَاب عَنْها، ظَنًّا مِنهم أنَّ شَيخنا “أبوسفيان العاصي” اعتَزَل النَّاس ومَا يَعبدون، ودَخَل غُرفته كنَوعٍ مِن الاحتجَاج؛ عَلى مَا يَحدث في العَالَم العَربي.. ولكن الأحبَاب والأصحَاب -سَامحهم الله- لا يَعلمون أنَّ شَيخنا بَشوش حَليم، لَا يَعرف الغَضَب، ولا يَركب بُسَاطه.. ولتَأكيد ذَلك هَذه آخَر نَواصيه:

* الشّيخوخة لَيست تَراكُم السّنين عَلَى الجَسَد.. الشّيخوخة هي المَرحلة التي يَتوقَّف فِيها الإنسَان؛ عَن تَحقيق أحلَامه وتَطوير ذَاته..!
* السَّفر مِن مَطَار جُدَّة وإليهِ واستئِجَار سيّارة مِنه، تَمرين مُفيد وجيّد؛ لتَعلُّم الصَّبر والتَّحكُّم بالأعصَاب وضَبط النَّفس..!
*****

* بَعض النَّاس رَأسه مِثل موَاقِف السيّارات، حَيثُ تَجد آرَاء النَّاس مَصفوفة ومَرصوصة في دمَاغه، دون أنْ تَكون لَه سيّارة تَحمل رَأيه..!
* الدّقيقة وحدَة زَمنيّة طَويلة جِدًّا.. والذي لَديه اعترَاض عَلى ذَلك، عَليه أن يَقبض في كَفّه عَلى جَمرة مُلتَهِبَة لمُدّة دَقيقة وَاحدَة..!
*****

* مِن حَسنَات النّوم وَحيدًا؛ أنَّكَ تَجد وَقتًا لسمَاع أَنين الجِسم، ومَتَاعِب الرّوح، وأصوَات الجَسَد..!
* كُلّ يَوم أَضَع رَأسي عَلى شَكل طَاولات: طَاولة لمُحاسبة نَفسي، وطَاولة للاختلَاء بروحي، وطَاولة للحوَار مَع عَقلي، وطَاولة رَابعة للغذَاء؛ للتَّحاور مَع مِعدتي..!
*****

* النَّاس أمَام الأحدَاث أربَعة أقسَام: قِسم يَصنع الحدَث، وقسم يَستثمره، وقِسم يَتكلّم عَنه، وقِسم يَتجَاهله، فمِن أي الأنوَاع أنت..؟!
* أتمنَّى أنْ ألتَقط صورة “سِيلفي” مَع روحي، ولَكن للأسَف؛ إنَّ روحي مُختبئة عنِّي في ثَنَايا الجَسَد..!
*****

* إنَّنا قَوم مُصابون بالعَجائب، ومِن عَجائبنا، أنَّ الكَاتِب إذَا بيّن خَللاً في إدَارة خَدميّة مَا، لَا نُعالج الخَلَل، بَل نُعَاتِب ونُؤاخذ الكَاتِب..!

* يَقول شَاكر الخوري:
وسَألتُها هَل بالأَكيد تُحبّني؟
قَالت: فُؤادَك شَاهد يَا روحي!
فأجبتُها أَهل الهَوَى لَن يَقبَلوا..
أَبداً شَهادة شَاهِد مَجرُوح!!

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ نُذكِّر القَارئين والقَارِئات؛ بأنَّ شَيخَنا الجَليل يَرفل بالصّحة والمسرّات، ولا يَنسَى قُرّاءه وقَارئاته أَبدًا مَا حَيَا..!!!

الحبر المسكوب في شعر محمد يعقوب ..

وَعدتُ قرّاء هَذه الزَّاوية؛ أنْ أتحدَّث في كُلّ شَهر عَن شَاعِر مِن شُعرَاء بِلَادي الشَّبَاب المُبهجين، وهَا أنَا أكتب عَن الشَّاعِر والصَّديق “محمد إبراهيم يعقوب”، وهو شَاعر لَه بَصمته، كَما تَشير بذَلك دَواوينه ومَنتُوجَاته الشِّعريّة، ولَه مِن الدَّواوين: “رَهبة الظِّل”، و”تَراتيل العُزْلَة”، و”جَمْرُ مَنْ مَرُّوا”، و”الأمر لَيس كَما تَظنّ”..!

يخرب بيت صَاحبي “محمد”، إذ يَقول عَن حَبيبته:
يَا مَنْ أَعُودُ إِذَا مَا جِئْتُ أَكْتُبُهَا
مِنْ آخِرِ الصَّحْوِ أَمْحُوهَا وَأَحْتَرِقُ
مَا أَعْذَبَ الحُبَّ آمَالاً مُعَتَّقَةً
إِنْ جِئْتَ تَسْكُبُهَا ضَاعَتْ بِكَ الطُّرُقُ

ثُمَّ يَتأمّل “جَازَان”، ويَكتب فِيها قَصيدة – وجَازَان تَستَحق كُلّ قَصيدة -، ليَقول – ونَحنُ نُردِّد مَعه – :
خُلِقْتِ مِنْ طِينَةِ الإِبْدَاعِ فَاتِنَةً
وَالحُبُّ أَجْمَلُ مَا يَأْتِي بِهِ القَدَرُ

ونَظراً لأنَّ الشِّعر طقُوس وهوَاجِس، كَتَب صَديقنا الشَّاعِر “محمد إبراهيم يعقوب” قَصيدة بعنوَان: “مَزَاج الشِّعر”، يَقول فِيهَا – مُخَاطِباً القَصيدة/ الحَبيبَة-:
وَتَبَسَّمِي.. فَالحُزْنُ فَرْضُ كِفَايَةٍ
إِنْ غَابَ لَنْ نَشْقَى أَسىً فِي جَلْبِهِ
وَتَمَهَّلِي.. بَعْضُ الحَدِيثِ وِشَايَةٌ
والمَرْءُ أَصْدَقُ مَا يَقُولُ.. بِقَلْبِهِ

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ نَختم بالشِّعر كَمَا بَدَأنا بِهِ، وفي ذَلك يَقول صَديقنا “يعقوب” – مُعرِّفاً نَفسه-:
أَنَا.. أَنَا.. زَوْرَقُ النَّاجِينَ مِنْ وَجَعٍ
إِلى سِوَاهُ.. نَأتْ فِي اليَمِّ أضْرحَتِي
أَجُرُّ فِي الصَّبْرِ أَرْضِي حُزْن أرْمَلَةٍ
جُوعُ المَسَافَاتِ لاَ يَكْفِي لأُغْنِيَتِي

مفاهيم الصداقـة ليست كلها برّاقة ..

مَن يَتفكَّر في الدُّنيا، ويُطيل النَّظَر في خطُوط الطّول ودوَائِر العَرض في الحيَاة، سيَصل لقنَاعَات لا يَتوقَّعها، وحَقَائِق لا يَتصوّرها، وإليكُم المِثَال:
يَظنُّ الكَثيرون أنَّ الأصدقَاء؛ هُم الذين يُساعدون الإنسَان في نَجَاحه، ولَكن هَذه المَقولة تَحتَرق عِندَما نَضعها عَلى لَهب التَّشريح..!

إنَّ حقَائِق الكَون تَقول: إنَّ الإنسَان دَائماً تَأتيه المَضرّة مِن الأصحَاب، وقَد فَطن إلَى هَذا كَثير مِن الفَلاسفة والشُّعرَاء والأُدبَاء؛ مِن أمثَال “ابن الرومي”، حَيثُ قَال:
عَدُوَّكَ مِنْ صَدِيقِكَ مُسْتَفَادُ
فَلاَ تَسْتَكْثِرَنَّ مِنَ الصِّحَابِ
فَإِنَّ الدَّاءَ أَكْثَرُ مَا تَرَاهُ
يَحُولُ مِنَ الطَّعَامِ أَو الشَّرَابِ
إِذَا انْقَلَبَ الصَّدِيقُ غَدَا عَدُواً
مُبِيناً، وَالأُمُورُ إِلى انْقِلاَبِ

كَما انتَبه شَاعر قَديم إلَى تَجذُّر “النَّذالة” في بَعض الأصدقَاء، حِين قَال:
احْذَرْ عَدُوَّكَ مَرَّةً
واحْذَرْ صَدِيقَكَ أَلْفَ مَرّة
فَلَرُبَّمَا انْقَلَبَ الصَّدِيقُ عَدُواً
فَـكَـانَ أَعْـلَمَ بِالمَضَـرَّة

إنَّ الأصدقَاء -بشَكلٍ عَام- لَيسوا سَوَاء، شَأنهم شَأن كُلّ مَا في الحيَاة، هُنَاك أصدقَاء أوفيَاء، وهُنَاك أصدقَاء لا يَمتّون بحَبلٍ إلَى الصَّداقَة، والصِّدق والوفَاء..!

إنَّ هَذه الأفكَار كُلّها يُلخصها قَول أحَد الشُّعرَاء الخطِرين، ومَا أجمَل مَا قَال في هَذا البَيت:
وَمَا ضَرَّنِي إِلاَّ الَّذِينَ عَرَفْتُهُمْ
جَزَى اللهُ بِالخَيْرَاتِ مَنْ لَسْتُ أَعْرِفُ

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ نُؤكِّد على أنَّ الأصدقَاء يَحملون لَنَا أحيَاناً السَّعادة، وفي أحيانٍ كَثيرة يَحملون لَنَا التَّعَاسَة، ولَن أنسَى ذَلك المَثَل الذي تَعلّمته؛ مِن سيّدة مِن المَغرب العَربي، حِين قَالت: “يَا أحمَد احذَر الأصدقَاء فهُم مِن الأقَارب، ونَحنُ في المَغرب نَقول: الأقَارب عَقَارِب”..!!!

السعادة من صنع الانسان ..

لم تختلف البشرية في شيء؛ قَدْر اختلافها في السعادة ومفهومها، ومن أين تأتي وكيف تتحقق؟.

وفي التراث، هناك الكثير من هذه المفاهيم، ولعل الشاعر القبيح “الحطيئة”؛ أول من أثار هذا المفهوم حين قال:
ولَستُ أرَى السَّعادة جَمع مَالٍ
ولَكن التَّقِي هو السَّعيدُ!!!

ومثل هذا الشرح للسعادة غير دقيق، لأنك ترى آلاف الأتقياء؛ ولكنهم غير سعداء، كما أن هناك ملايين من البشر سعداء؛ رغم أنهم ليسوا بأتقياء.

وهناك من يظن أن السعادة في المال الوفير، والرزق الكثير، وهذا غير سليم، فأنت تشاهد ملايين الأثرياء هم من التعساء.

وهناك أيضا من يظن أن السعادة في المكان، فيقول: سأسافر “لأُغيِّر جو”، ظناً منه أن السفر سيهب له السعادة، وهذا وهمٌ كبير.. فالتعيس يحمل سجن تعاسته؛ ويأخذه معه أينما ذهب.

وهناك من يظن أن السعادة بتناول هذا المشروب، أو ارتشاف تلك السيجارة، أو سحب نَفَسَاً من “لي” الشيشة أو المعسّل، وكل هذا ليس بسعادة، بل هو وَهْم السعادة، وظلالها الخادعة.

وإذا تحققت السعادة من تناول أي مأكول أو مشروب، فالفضل في تلك السعادة يعود للمشروب الذي جلبها، وليس لذلك “السعيد العاجز”؛ الذي عجز عن صنع سعادته، فاستعان بـ”صديق من مشروب ونحوه”.

وهناك من يظن أن السعادة في العافية وصحة البدن، وهذا الكلام لا يستقيم في المعنى، لأنك ترى ملايين البشر من الأقوياء، ولكنهم يعيشون في بأسٍ وشقاء، بل قد يكون الأمر خلاف ذلك، بمعنى أن تكون القوة والنشاط من أسباب التعاسة.. ومن يذهب لمستشفى “الأمراض النفسية”؛ سيجد أن أكثر النزلاء يتمتعون بصحة قوية، بحيث لا يمكن السيطرة عليهم إلا بمجموعة من الرجال الأقوياء.

في النهاية أقول: بعد كل هذه الرحلة الطويلة والقرارات العميقة؛ في مفهوم السعادة، وجدت أنها “حالة ذهنية”، تأتي حين يتصالح الإنسان مع نفسه ومع غيره، ويؤمن بالقضاء والقدر، ويتفاءل.. أما المكان والزمان، والأحداث، والغِنَى والتُّقَى، كلها عوامل مساعدة، أما الأساس في السعادة فهو “التوازن النفسي والعاطفي والفكري”. ولقد صدق شاعرنا الكبير “حمد الحجي” حين قال:
ألا إنَّمَا صَفو الحَيَاةِ تَفاؤلٌ
تَفَاءَل تَعش في زُمرةِ السُّعداءِ!!!

يوميات مستطرَفات ..

أصبَحت اليَوميّات مَادة يَرتجيها النَّاس، ويَبحثون عَنها، ونَظرًا لهَذه الشَّعبيّة التي تَحفُّها؛ ستَكون هَذا الأسبُوع خَاصَّة بالطَّرائِف القَصيرة، التي يَعثر عَليها القَارئ في كُتب التُّراث..!

(الأحد)
تَأمّلوا هَذه القُدْرَة عِند الأعرَابي عَلَى ابتكَار الشَّر، حَيثُ تَقول الحِكَاية: (دَعَا أعرَابي عَلى عَامِل، فقَال: صَبّ الله عَليك الصّادَات، يَعني الصّفع والصّرف والصّلب)..!

(الاثنين)
سُرعة البَديهَة صِفَة نَادِرَة في البَشَر، وكَم أتمنّى أنْ يُكرمني الله بِهَا.. وخَيرُ مِثَال عَلى هَذه السُّرعة، تِلك الحِكَاية التي تَقول: (وَقَف المَهدي عَلى عجُوز مِن العَرَب، فقَال لَها: ممّن أنتِ؟ فقَالَت: مِن طَيء. فقَال: مَا مَنع طَياًّ أنْ يَكون فِيهم آخَر مِثل حَاتِم؟ فقَالت مُسْرِعَة: الذي مَنَع (الحُكمَاء) أن يَكون فِيهم مِثلك، فعَجِبَ مِن سُرعة جوَابها، وأَمَر لَها بصِلَة)..!

(الثلاثاء)
للبَنَات جَاذبيّة ورِقّة تجَاه آبَائهنّ، بعَكس الأبنَاء الذين يَتمتّعون بالقَسْوَة و”الجَلَافَة” والأنَانية.. وحتَّى تَقتنعوا بهَذا الكَلَام، إليكُم هَذا المِثَال: يُحكَى أنَّ لأبي مجسّر الأعرَابي بِنتًا يَقول في مَحاسنها: (كَانت تَجلسُ مَعي عَلى المَائِدة، فلَا تَقع عَينُها عَلَى لُقمَة نَفيسة إلَّا خَصّتني بِهَا، فكَبُرَتْ وزوّجتُها، وصِرتُ أجلسُ عَلى المَائِدة مَع ابنٍ لي، فوَالله لَن تَسبق عَيني إلى لُقمَة طيّبة إلَّا سَبقتْ يَدُه إليهَا)..!

(الأربعاء)
لِكُلِّ اسم فَلْسَفة ومَعنَى، حتَّى وإن ظَنّ صَاحب الاسم غَير ذَلك، وقَد شَرَح أعرَابي قَديم هَذه النَّظريّة؛ في القصّة التُّراثيّة التي تَقول: (وَقَف أعرَابي عَلى قَوم، فسَألهم عَن أسمَائهم؟ فقَال الأوّل: اسمي “وَثيق”، وقَال الثَّاني: اسمي “مَنيع”، وقَال الثَّالث: اسمي “شديد”، فقَال الأعرَابي: مَا أظنّ الأقفَال عُمِلَت إلَّا مِن أسمَائِكُم)..!

(الخميس)
بَعض النَّوادِر يُشوّهها التَّعليق والشَّرح، ومِنها مَا ذَكره الأصمَعي عَن أعرَابي رَآه؛ يَجلس مَع زَوجته عَلى قَارعة الطَّريق -وقَد أصَابت الأعرَابي مَجَاعة-، فسَمَعه يَقول:
يَا رَب إِنِّي قَاعِدٌ كَمَا تَرَى
وزَوْجَتِي قَاعِدَةٌ كَمَا تَرَى
والبَطْنُ مِنِّي جَائِعٌ كَمَا تَرَى
فَمَا تَرَى يَا رَبّنَا فِي ما تَرَى؟!

(الجمعة)
بَعض الحوَارَات تَكون قَصيرة، ولَكن فَائِدتها وَفيرة، ومِن تِلك الحوَارَات مَا دَار بَين “الأعمَش” وإبراهيم النّخعي “الأعوَر”، حَيثُ قَال الأعمَش: (يَا إبرَاهيم إنَّ النَّاس إذَا رَأونا نَسير مَعاً قَالوا: أعمَش وأعوَر. قَال: ومَا عَليك أن يَأثموا ونُؤجر. قَال: ومَا عَليك أنْ يسلموا ونسلم)..!

(السبت)
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ أُوضِّح أنَّ هَذه طَريقة جَديدة لكِتَابة اليَوميّات، إذَا رَاقت لَكُم فشَجّعوني، وإذَا لَم تَرُق لَكُم فامنَعوني..!!!.

إشعال الموقد تحت مَن لا يحترم الموعد ..

مَازلتُ أُعَاني مَع النَّاس في مَسألة الوَقت، وكُلَّما وَاعدتُ وَاحِدًا مِنهم في سَاعة مُحدَّدة؛ جَاءني في السَّاعة التي تَليها.. إنَّهم يَفعلون ذَلك وهُم مُسلمون، ونَسوا أنَّ المُسلم إذَا وَعَد أوفَى، ومِن علَامات المُسلم التَّقي النَّقي الوَفي، الالتزَام بالمَوعد.. وقَد تَعلَّمنا هَذا الالتزَام مِن الصلوَات الخَمس التي قَال عَنها الله -عَزّ وجَلّ -: (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)..!

لقَد تَعبتُ وتَعب مَعي القَلَم؛ وأنَا أكتُب عَن الالتزَام بالوَقت مَع مَن أُوَاعِد، ومَع هَذا التَّعب لَن أيأَس، وقدوَتي في ذَلك نَبيّنا نوح -عَليه السّلام- الذي لَبَث في قَومه أَلف سَنَة إلَّا خمسين عَامًا، يَدعو ويَنصَح، ولَم يُؤمن بِهِ إلَّا نَفر قَليل..!

مُشكلتي مَع أُنَاس كُثر؛ حِين نَتوَاعد في السَّاعة السَّادِسَة مَثلًا، أنَّهم لَا يَأتون في المَوعِد، بَل يَخرجون مِن مَنازلهم في السَّاعة السَّادِسَة، ومَع زَحمة الطُّرق، واكتظَاظ السيّارات في جُـَّدة -بضَم الجِيم طَبعًا- هَذه الأيَّام، يَصلون إلَى المَكان في السَّابِعَة، وإذَا عَاتبتُهم قَالوا: (الدُّنيا زَحمَة).. الدُّنيا كُلّها ولَيست جُـدَّة فَقط..!

إنَّ مَن يَقول هَذا الكَلَام يَخلو مِن المَنطق، فأبسَط مَسائل المَنطق أنَّك إذَا التَزمتَ بمَوعد في السَّاعة السَّادِسَة، يَجب أنْ تَخرج مِن بَيتك في الخَامِسَة والنِّصف.. هَذا إذَا كَان بَيتك قَريبًا، أمَّا إذَا كَان بَيتك بَعيدًا؛ فيَجب أنْ تَخرج في الخَامِسَة..!

أعلَم أنَّ هَذه مَعلومَات وبَديهيّات، في حِين أنَّها عِند الآخرين غَرائِب ومَجهولات.. ولَكن مَا حِيلَتي إذَا كَان قَومي لَا يَعلمون..؟!

إنَّ العَرَب لَا يُحبّون الالتزَام المُحدّد بالوَقت، لذَلك إذَا سَألتَ السَّائِق: مَتَى ستَأتي؟ قَال لَك: (مسَافة السّكة)، ومسَافة السّكة مِن المُمكن أنْ تَمْتَد مِن نِصف سَاعة؛ إلَى ثَلاث سَاعَات، لذَلك هو يَضع مَوعدًا «مَطاطيًّا»، تَتحكَّم فِيهِ السّكة، ولا يَتحكَّم هو فِيهِ..!

ومِن مِثل عبَارات «مسَافة السّكة»، هُنَاك مَواعيد مِثل «بَين العشَائين»، و»مسيّان الضعيّف»، و»الضُّحَى»، و»العَصر المُتأخِّر»، إلَى آخر هَذه المَواقيت؛ التي كَان يَستخدمها «الجَاحِظ» في أيّامه، والفُقهَاء حِين كَانوا يَقولون: (حِين يَصير ظِلّ كُلّ شَيء مِثله)..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: إنَّني أتعجّب مِن أُناسٍ يَلبسون أفخَم وأرقَى وأغلَى السَّاعَات، ومَع ذَلك لَا يَنظرون إليهَا، بَل يَلبسونها للزِّينة والتَّفاخُر، وقَد تَوصَّلتُ إلَى نَظريّة عَرفجيّة تَقول: (كُلّمَا زَاد سِعر وثَمَن السَّاعة قَلّ التزَام صَاحبها بالوَقت)..!!!.