التأمُّل في مفهوم التوكُّل ..

نَحنُ نَعيش في زَمن “حَافِز”، وحَافِز تَعني -في أبسَط دَلالاتها- أن يَتحفّز الإنسَان للبَحث عَن عَمَل، والسَّعي في الأَرض مِن أَجل لُقمَة عيش كَريمة، حَلال زلال، تنعش الرَّاغبين في الحصُول عَلى عَمل..!

وقَد لَاحظتُ -مُنذ فَترة- أنَّ النَّاس تَخلط بَين التَّوكُّل عَلى الله، وبَين السَّعي في الأَرض لاكتسَاب لُقمة العيش، وأكثَر مَا يَتم الخَلط فِيه وحَوله وعَنه؛ الحَديث النَّبوي القَائل: (لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا). والخِماص جَمع خميص، عَلى وَزن رَفيق وجَمعها رِفاق، والخميص هو ضَامر البَطن، أمَّا البِطان فجَمع بطين، وهو مُمتلئ البَطن..!

إنَّ البَعض يَستدلُّ بهَذا الحَديث، مُؤكِّداً عَلى أهمّية التَّوكُّل فَقط، وأنَّ التَّوكُّل عَلى الله وَحده يَجلب الرِّزق، وهَذا فَهمٌ مَغلوط، وشَرحٌ مَعطوب، وكَلامٌ غَير مَضبوط، لأنَّ السَّمَاء لا تُمطر ذَهباً ولا فضّة، فالإنسَان يَتوكّل عَلى الله أوّلاً، ثُمَّ يَسعى في طَلب الرِّزق ثَانياً، وبَعد تَحقيق هَذين الشَّرطين سيَتحقَّق لَه العَمَل الشَّريف الكَريم..!

إنَّ المُتدبِّر بعُمق لهَذا الحَديث بالذّات، سيَجد أنَّ التَّوكُّل مَقرونٌ بالحَرَكَة والبَحث، والنَّشَاط والحيويّة، والمُبَادرة في البَحث عَن الرِّزق في أوَائل اليَوم.. كُلّ ذَلك يُفهَم مِن قَوله -صلَّى الله عَليه وبَارك-: “تَغْدُو”، والغدوُّ هو السّير في الغدَاة، أي في أوّل النّهار، بمعنَى أنَّ الإنسَان يَجب أنْ يَتوكّل عَلى الله، ثُمَّ يَغدو في الصّباح وهو جَائِع، ويَعود في المسَاء وهو مُمتلئ البَطن، وَافِر الرِّزق، يَجد قُوته وقُوت يَومه..!

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَول: هَذا وَاحِد مِن الأحَاديث والآثَار؛ التي يَستدلُّ بِهَا المُتقَاعِسُون عَن العَمَل، ومَا ظنّوا أنَّ العَمَل شَرطٌ بَعد أنْ يَتحقّق شَرط التَّوكُّل عَلى الله، لتَكون القَاعِدَة لكُلِّ البَاحثين عَن العَمَل مِن جِهَتين: الأُولَى أنْ يَتوكّل عَلى الله، والثَّانية أن يَبحث عَن عَمَل..!!! 

 

Leave Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *