التصلُّب.. من مفاهيم التعصُّب !

عِندَما تَتجوَّل في أروقة الرّياضَة؛ تَجد أنَّ مُفردة التَّعصُّب هي المُفرَدة الأقوَى والأعلَى والأكثَر سطوَةً، ومَع الأسَف أنَّ هَذه المُفرَدة لَا تَدلُّ عَلَى الاعتدَال، ولا عَلى التَّمسُّك بالعُروة الوُسطَى والوُثقَى..!

مُنذ بدء التَّاريخ قَالت العَرب: “حُبُّك الشَّيء يُعمِي ويَصُمُّ”، أي أنَّ حُبَّك للاتّحَاد بشكلٍ جنُوني يَجعلك أعمَى، لَا تَرَى الحقَائق الأُخرَى، ويَجعلك أَصمّ لا تَسمع الاعتدَال في الآرَاء الوُسطَى، وبذَلك تُصبح الدُّنيا في نَظر الاتّحادي المُتعصِّب؛ لَيست إلَّا لَونين، هُمَا الأصفَر والأسوَد..!.

يَقول المُؤرِّخ البريطَاني الشَّهير “توينبي”: (التَّعصُّب رَاسِب حَضَاري، مُتحجّر مِن حَيثُ الطَّاقة والحيويّة، وهو عبَارة عَن تَقوقع؛ يَتّخذُّ مِن الأديَان دِرعًا لَه أمَام الحضَارة).. وهُنا أقول: سَامح الله “توينبي”، لأنَّه اعتَقد أنَّ التَّعصُّب في الأديَان فَقط، ومَا عَلِمَ أنَّ التَّعصُّب مَرض يَدخل في كُلِّ قِطَاعَات الحيَاة، بدءًا مِن الأديَان، ومرُورًا بالأفكَار، وانتهاءً بالتَّشجيع الرِّياضي، والميول الكرويّة..!

ومِن الغَريب الذي فَات عَلى “توينبي” وقَومه؛ ممَّن كَتبوا في التَّعصُّب، أنَّهم رَبطوا التَّعصُّب بالدِّين، مَع أنَّه وُجد قَبل الأديَان بمِئات السِّنين، وقصّة ابني آدم -قابيل وهابيل- هي شَكل مِن أشكَال التَّعصُّب..!

يَقول العَالِم الجَليل “أبوحيّان التوحيدي”: (إنَّ تَعصُّب الإنسَان لقَومه؛ يَجعل مِن العَسير عَليه أنْ يَقول: أيّ الأُمَم أفضَل مِن سِوَاهَا)..!

إنَّ التَّعصُّب لَه أشكَالٌ مُتعدِّدة، فأحيانًا يَظهر بمَظهر التَّزمُّت، وأحيَانًا يَظهر بمَظهر التَّطرُّف، وأحيَانًا يَظهر بمَظهر العِنَاد، وأحيَانًا يَظهر بمَظهر التَّشدُّد، وكُلّ هَذه التَّعصُّبات تُمثِّل صورًا مُختَلفة للتَخلُّف، ولَكنّها تَدلُّ عَلى أنَّ الإنسَان يَنتصر لذَاته، ويَبحث عَن مَصالحه، ولقَد صَدَق الفيلسوف المغربي “محمد عابد الجابري” حِين قَال: (المَصالح ولا شَيء غَير المَصالح؛ هي التي تُحرّك الأشيَاء مِن الخَلْف، ويَتم استدعَاء الأديَان والمُقدّسات أحيَانًا)..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أنْ أُؤكِّد أنَّني سُئلت ذَات مَرّة: “هَل التَّعصُّب مَذهب مِن مَذاهب المَعرفة”؟ فقُلت: كَلَّا، لَيس مَذهبًا مِن مَذاهب المَعرفة، بَل هو خَلَلٌ في مُحرّكات عَمل العَقْل..!!!. 

 

Leave Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *