زيَادة الجُرعة في مَفهوم السُّرعة ..!

تَسير في الطَّريق، فتَرَى مَطعم السَّعادة للوَجبات السَّريعة.. وتَذهب إلى مَغسلة المَلابس، فتَجدها للخَدمات السَّريعة.. مَحل التَّصوير يَقول لَك: الصّورة خِلال دَقائق.. تَسلك في ذهَابك وإيَابك الطُّرق السَّريعة.. تُجري عمليّة بالليزر «بسُرعة» خِلال يَوم وَاحد.. تَسمع أُغنية تَجد مَقاماتها عَلى النَّغمة الشَّبابية السَّريعة.. تَطلب أغرَاضك فتَصلك عَبر التَّوصيل السَّريع.. تُرسل البَريد عَبر البَريد المُمتاز السَّريع.. تُرسل أموَالك عَن طَريق التَّحويل السَّريع «اكسبرس».. تَطلب الرِّبح مَارًّا بالثَّراء السَّريع..!

تُفكِّر بسُرعة.. تَأكل بنَفس السُّرعة.. تَنام عَلى جمرة العجلة.. لتُصبح الحيَاة في النّهاية «سَلق بيض»..!

أمَّا النِّساء اللائي -كُنَّ- مَاكِثَات في المَطبخ، كَان لَديهنّ «القِدر الكَاتِم» لإنضَاج الطَّعام في غضُون دَقائق.. وفي المَكتبة يُوجد كِتَاب: «تَعلَّم الإنجليزيّة في أسبوع»، وفي البُلدان النَّامية هُناك سِبَاق أرَانب، مُتمثّلًا في زيادة نموّ السُّكان بطَريقة مُذهلة تَتّخذ السُّرعة مَركبًا، وحَسبك أن يَكون في كُلِّ دَقيقة مَولود، ومِصر أكبَر مُمارس لهَذا السِّباق..!

وفي التِّجارة ذَهَبَت الدِّراسات العَميقة للنَّجاح التُّجاري المبنيّة عَلى المُقدّمات والنّتائج، واتّجه القَوم إلى اللهث خَلف الثَّراء السَريع المُتمثِّل في: المُسَابقات والفَوازير والحظُوظ مِن بَوّابة مَن سيَربح المليون.. إلى وَزنك ذَهب.. إلى كَلام مِن ذَهب.. حتَّى تَصل لسبَاق المُشاهدين.. في تَعطيلٍ وَاضح لمَلكَات الإنسَان الحيويّة والنَّشطة..!

أمّا مَا يَخص المُستقبل فقد رَكض النَّاس -رجَالًا ونسَاءً- خَلف تَفسير الأحلام، وركُوب الأمَاني، وانتظَار الحظُوظ التي تَجلب الرّزق السَّريع..!

لَستُ في هَذا الاتّجاه أُحارب المرُونة، أو أرفض السُّرعة، بل هي ضَرورة مِن ضَرورَات العَصر، والقَول بغَير ذَلك هو تَجميد للزَّمان في حُفرة صَغيرة..!

في السّياق الثَّقافي تَدخل السُّرعة كعُنصر مُهم في مَمرَّات الحَياة.. هل أُذكِّر القُرَّاء بقَول «يَوليوس قَيصر» عِندَما قَال: (مَا نَفعله بسُرعة لا نَفعله بإتقان).. أو أُذكّرهم بقَول «سوشيه» عِندَما قَال: (بقَدر مَا نُسرع نَصل مُتأخّرين)..!

ومِن العَجيب أنَّنا لا نَرى كُلّ هذه السُّرعة، وذَاك الجنُون، نَعم لا نَراهما في حَياتنا، وإنَّما عيوننا مَفتوحة عَلى ذَمِّ أهل الغَرب ومَا حَولهم، بأنَّهم مَاديّون، يَلهثون ورَاء الحيَاة الدُّنيا، نَصفهم بكُل وَصف يَليق بالحيوان، في مُحاولة رَديئة لرَسم صورة عَن عَالَمنا العَربي بأنَّه عَالَم المُثُل، وأنَّنا «بسم الله ما شَاء الله عَلينا»، نَبتغي الآخرة وعَملنا عَملها، وتَركنا الدُّنيا خَلف ظهُورنا..!

آه.. لَيتنا نَتوقَّف لنُحاسب أنفُسنا ونَسير «ببطء»، مُتذكّرين حِكمة دَرسناها في سَنة أولَى ابتدَائي تَقول: (في التأنِّي السَّلامة وفي العجلَة النَّدامَة)..!

هَذه صَفحة «سَريعة» أمَام القَارئ تَفتح بَياضها لتَقول شَيئًا، وقَد غَابت بفعل «السُّرعة» أشياءٌ كَثيرة.. يا حَسرة عَلينا، حتَّى المَقَالات صَارت تُسلق كسَلق البيض..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي..؟!

بَقي القَول: استمعوا إلى شَاعر حَكيم قَال في بَيت شِعري عَابر:

إذَا كُنتَ ذَا رَأي.. فكُن ذَا تَدبّر

فإنَّ فَسَاد الرَّأي أنْ تَتعجّلا!!

Leave Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *