ظهور الكُحَّة في جُملة “لا أسَاس لَه مِن الصحّة” ..!

حتَّى تَستقيم الأمور في نصَابها الفِكري، يَجب الاعترَاف بأنَّ اللغة والألفَاظ هي صورة الفِكر في الرَّأس والذّهن.. مِن هنا تَظهر خطُورة اللغة بوَصفها النَّاقل للفِكر، ورَحابة الدِّقة في الكَلِمَة تَدل عَلى رَحابة الفِكرة في الذِّهن، وضَبابيّة الكَلِمَات تَعكس ضَبابيّة الفِكرة في الجُمجمة، وعَلى ذَلك «قِسْ»..!

خُذ مَثلاً: عبَارة «لا مَانع مِن تَوفير حمَّامات للمَسجد الفُلاني»، فجُملة «لا مَانع» التي كَرَّستها «اللغة الإداريّة»، تَعكس حَالة التَّحريم التي تَسكن الذّهنيّة العربيّة، وهي حَالة تَشرح مَدى تَوغُّل الفِكرة القَائلة: (إنَّ الأصل في الأشياء التَّحريم، إلَّا مَا ثَبت حلّه)..!

خُذ عِبارة: «لا أسَاس لَه مِن الصحّة»، مِثل هَذه العبَارة تَعكس تَرهُّل التَّرجمة، إذ يُمكن أن تَكون الأشياء الصَّحيحة هُناك عَلى قسمين:

1- قسم صَحيح ولَيس لَه أسَاس، أي «تُراث أو سَند أو عُمق أو جذر»..!

2- قسم صَحيح ولَه أسَاس، ولَه «مَا لَم يَتوفَّر في القسم الأوّل»..!

ويُمكن تَبسيط الأمر بالمِثال التَّالي: حَضارة اليَابان حَضارة صَحيحة، ولكن لَيس لَها أسَاس، بينما الحَضارة المصريّة حَضارة صَحيحة، ولَها أسَاس تَاريخي، وعَلى القَارئ الفطن استنتَاج أيّ الحَضارتين أصحّ الآن، ليَعلم كَم المَسافة بَين الصَّحيح بأسَاس والصَّحيح مِن غَيره..!

خُذ مَثلاً ثَالثاً: يَقول المُتحدِّث: (هَذا إن دَلّ فإنَّما يَدلّ….)، وَاضح أنَّ العبَارة ضَحيّة تَرجمة رَديئة، إذ هي «دَخيلة»، وأتحدَّى مِن يُثبت أنَّه قَرأها في كِتَاب أُلِّف قَبل مَائة سَنة أو أكثَر..!

غَير أنَّ سِيَاق العِبارة يَدلُّ عَلى عَدم الدَّلالة، لأنَّه لا يَدلّ، وإن دَلّ فلَا مَناص مِن دَلالته عَلى الشّيء المُشار إليه، ووَاضح سقم العِبَارة، الأمر الذي يَجعل الحِبر الأصفَر بمَنأى عَن الشَّرح والإطَالة..!

خُذ مَثلاً رَابعاً: يَقول مُتحدِّث: (تَعجز الكَلِمَات عَن الوَصف)، في حِين أنَّ اللغة – أي لُغة – لَيست عَاجزة، وإنَّما العَجز يَكون في المُتحدِّث، وقَد سَأل نبيّنا مُوسى -عليه السّلام- رَبّه بأن يَحلل عُقدة مِن لسَانه ليَفقه النَّاس قَوله، ولَم يَسأله أن يُبسِّط لَه اللغة، حتَّى يَتحدَّث ويَدعو وفق بَلاغ مُبين..!

حَسناً.. مَاذا بَقي..؟!

بَقي القَول: إنَّ أكثر الأمور مَرارة، عِندَما يَتحدَّث أحدهم قَائلاً: (أنَا عَاجز عَن الشُّكر)، وخَير رَد عَلى مِثل هَذا العَجز الغَبي، مَا قَاله أحد الأعرَاب عِندَما أسدَى لأحدهم مَعروفاً، فقَال مُستقبِل المَعروف: (أنا عَاجز عَن الشُّكر)، فرَد عَليه الأعرَابي قَائلاً: (قَبّحك الله، مَا أقبح عَجزك، ألا تَستطيع أن تَقول: شُكراً، وجَزَاك الله خَيراً)..؟!!!

Leave Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *